ابن كثير

361

البداية والنهاية

ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين ومائة ففيها كان مقتل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وكان سبب ذلك أنه لما أخذ البيعة ممن بايعه من أهل الكوفة ، أمرهم في أول هذه السنة بالخروج والتأهب له ، فشرعوا في أخذ الأهبة لذلك . فانطلق رجل يقال له سليمان بن سراقة إلى يوسف بن عمر نائب العراق فأخبره - وهو بالحيرة يومئذ - خبر زيد بن علي هذا ومن معه من أهل الكوفة ، فبعث يوسف بن عمر يتطلبه ويلح في طلبه ، فلما علمت الشيعة ذلك اجتمعوا عند زيد بن علي فقالوا له : ما قولك يرحمك الله في أبي بكر وعمر ؟ فقال : غفر الله لهما ، ما سمعت أحدا من أهل بيتي تبرأ منهما ، وأنا لا أقول فيها إلا خيرا ، قالوا : فلم تطلب إذا بدم أهل البيت ؟ فقال : إنا كنا أحق الناس بهذا الامر ، ولكن القوم استأثروا علينا به ودفعونا عنه ، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا ، قد ولوا فعدلوا ، وعملوا بالكتاب والسنة . قالوا : فلم تقاتل هؤلاء إذا ؟ قال : إن هؤلاء ليسوا كأولئك ، إن هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم ، وإني أدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإحياء السنن وإماتة البدع ، فإن تسمعوا يكن خيرا لكم ولي ، وإن تابوا فلست عليكم بوكيل . فرفضوه وانصرفوا عنه ونقضوا بيعته وتركوه ، فلهذا سموا الرافضة من يومئذ ، ومن تابعه من الناس على قوله سموا الزيدية ، وغالب أهل الكوفة منهم رافضة ، وغالب أهل مكة إلى اليوم على مذهب الزيدية ، وفي مذهبم حق ، وهو تعديل الشيخين ، وباطل وهو اعتقاد تقديم علي عليهما ، وليس علي مقدما عليهما ، بل ولا عثمان على أصح قولي أهل السنة الثابتة ، والآثار الصحيحة الثابتة عن الصحابة ، وقد ذكرنا ذلك في سيرة أبي بكر وعمر فيما تقدم . ثم إن زيدا عزم على الخروج بمن بقي معه من أصحابه ، فواعدهم ليلة الأربعاء من مستهل صفر من هذه السنة . فبلغ ذلك يوسف بن عمر ، فكتب إلى نائبه على الكوفة وهو الحكم بن الصلت يأمره بجمع الناس كلهم في المسجد الجامع ، فجمع الناس لذلك في يوم الثلاثاء سلخ المحرم ، قبل خروج زيد بيوم ، وخرج زيد ليلة الأربعاء في برد شديد ، ورفع أصحابه النيران ، وجعلوا ينادون يا منصور يا منصور ، فلما طلع الفجر إذا قد اجتمع معه مائتان وثمانية عشر ( 1 ) رجلا ، فجعل زيد يقول : سبحان الله ! ! أين الناس ؟ فقيل : هم في المسجد محصورون . وكتب الحكم إلى يوسف يعلمه بخروج زيد بن علي ، فبعث إليه سرية إلى الكوفة ، وركبت الجيوش مع نائب الكوفة ، وجاء يوسف بن عمر أيضا في طائفة كبيرة من الناس ، فالتقى بمن معه جرثومة منهم فيهن خمسمائة فارس ، ثم أتى الكناسة فحمل على جمع من أهل الشام فهزمهم ، ثم اجتاز بيوسف بن عمر وهو واقف فوق تل ، وزيد في مائتي فارس ولو قصد يوسف بن عمر لقتله ، ولكن أخذ ذات اليمين ، وكلما لقي طائفة هزمهم ، وجعل أصحابه ينادون : يا أهل الكوفة اخرجوا إلى الدين والعز والدنيا ،

--> ( 1 ) في ابن الأعثم 8 / 118 : مائتان وعشرون رجلا .